الغناء والشهادة
لقد ميعت المعاني الفاضلة في الشريعة، والرتب العالية: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ [النساء:69-70] هذه هي المراتب العالية، ومنها: مرتبة الشهادة، والشهداء أحياءٌ عند ربهم، أرواحهم في حواصل طيرٍ خضر تسرح في أنهار الجنة، يعجب ربك إليهم ويضحك، ومن ضحك الله إليه فلا حساب عليه. الشهيد هو الذي يقتل بين الصفين مقبلاً غير مدبر في سبيل الله تعالى، هذا هو الشهيد. ثم يقول عبد الحليم شبانة :
يا ولدي قد مات شهيداً من مات فداءً للمحبوب
هكذا جعلوا الشهادة؛ المقام العظيم عند الله، من مات فداءً للمحبوب، ومن المحبوب؟ هل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! لا. لا يقصدون ذلك، لأنه استهل تلك القصيدة بذكر أوصاف المحبوبة التي شعرها كذا وكذا، وعيناها كذا وكذا، ثم ينادي بالشهادة لأجل المحبوبة.
الغناء وتغيير الأسماء
هذا عبد الحليم شبانة الذي غير اسمه، وملعون من انتسب إلى غير أبيه أو قومه، وهذه من المنكرات العظيمة في الأوساط الفنية العفنة، فتجد تغيير الأسماء بالأسماء الفنية ليشتهروا بها، وينادوا بها، ويكتب عنهم بها، إلا واحداً سمعت عنه فوجدت أن تغييره لاسمه كان في محله، اسمه: محمد، وهو من المغنين الذين فتن بهم الجيل الحاضر الجديد من النساء والرجال، فغير اسمه إلى (عاصي) لأنه معجب بملحن اسمه: (عاصي) فهذا وجدت أن تغييره لاسمه كان في محله. "ورب رميةٍ من غير رامٍ" هو قصد إعجاباً، فجاءت مطابقة للواقع ولما يقوم به ويعمل. والحمد لله الذي أرانا ذلك وجعلها آية، فمحمد لا يليق بالغناء أما عاصي، فهو الاسم الدال على ذلك المسمى الذي يعصي الله تعالى. نسأل الله عزوجل أن يتوب على من يسمع الغناء، وأن ينقذ هذه الأمة من هذه الفتنة العظيمة، والبلوى التي طار شررها، نسأل الله السلامة والعافية، وأن يطهر بيوتنا من المنكرات. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفره إنه هو الغفور الرحيم.
الغناء والاعتداء على العقيدة والتوحيد
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين. وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريته الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، صلى الله عليه صلاةً دائمةً بما علَّمنا وأدّبنا ودلّنا على الخير. عباد الله: هل أنتم تشكون في تحريم الغناء، وأن ما يقال في هذه الأغاني هو عين الردة عن الدين أحياناً، وعين الفسق والفجور أحياناً، وعين نشر الرذيلة بين المسلمين، والدعوة إلى الانحلال والفسق والفجور؟
الغناء وادعاء علم الغيب
ثم إننا لم ننتهِ بعدُ من ذكر بعض ما وصلنا مما يقال في الأغاني من الأمور المتعلقة بالعقيدة؛ لأننا لم نذكر شيئاً بعد عن الأمور المتعلقة بالانحلال والفسق.
جلست والخوف بعينيها تتأمل فنجاني المقلوب
قالت يا ولدي لا تحزن فالحب عليك هو المكتوب
اشتمل هذان البيتان على جلوس هذا الفاجر مع امرأة تدعي علم الغيب، فهي كاهنة وعرافة ومشعوذة، وعلى طريقة الذين يدَّعون علم الغيب في شعوذتهم وهي قراءة الفنجان المقلوب بعد قلبه. واشتمل على الكذب على الله تعالى في أنه كتب الحب على هذا الرجل. أولاً: ادعاء علم الغيب كفرٌ: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65].. لا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً [الجن:26]. وقراءة الفنجان وقراءة الكف، وضرب الودع، والتخطيط في الرمل، قراءة الكرة الكريستال، وغير ذلك من الوسائل القديمة والحديثة شرك وحرام. وادعاء علم الغيب كفر بالله، واعتداءٌ على خصوصية من خصوصياته سبحانه وهي علم الغيب الذي لا يطلع عليه أحداً إلا من شاء سبحانه من وحي إلى رسول بأمور مستقبلة ينبئ بها قومه ليحذروا.. ونحو ذلك من الأمور.
الاستعانة والحلف بغير الله
ثم إنك تجد أيضاً في أغانيهم:
مدد يا نبي يا نبي مدد
والاستعانة بغير الله، ونداء الأموات، والطلب من الأموات، والحلف بغير الله، والحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، وحياة الغالي عندك، وحياة عينيك، أو وحياة عينك؛ والقسم بغير الله عز وجل: أحلف والحب يمين، كما يقول قائلهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك). بل إن في بعض مقاطع الأغاني حلف بالأضرحة والمشاهد والقبور: مقدرش على كده ومقام السيده والواو: واو القسم، والقسم بمقام السيدة.
الغناء وسب الدهر
إن سب الدهر في الأغاني شائع ومنتشر، شتم الساعة، والزمان، والشهر، والعمر، والدهر؛ كل ذلك وارد ومنتشر.
كتاب حزين كله مآسي جابنا في زمان غدار قاسي
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر) هو مقلب الأيام والليالي سبحانه وتعالى، وإذا سب أحد الدهر فقد سب شيئاً ليس بأهلٍ للسب ولا ذنب له؛ لأن الدهر هو ظرفٌ لوقوع الحوادث، فلا ذنب له ولا عمل فيها، ولكن الله هو الذي يشاء، ويفعل ما يشاء، ويقدر ما يشاء، ويجري الحوادث في الزمان بمشيئته سبحانه، فمن سب الدهر فقد رجع سبه على الله، وهم يقولون: زمان غدار وقاسي.
الغناء والاعتداء على اللوح المحفوظ
ثم يعتدون على ما هو مكتوب في اللوح المحفوظ:
الفرح سطر غلط مكتوب لما الزمان كان يوم ناسي
هذا السطر الذي كتبه الله في اللوح المحفوظ كان غلط، افهم يا مسلم يا عبد الله! كيف يتسللون إلى بيتك وإلى عقول نسائك وأولادك، وبه تلهج الملايين؟! ثم إن هناك فناً يمكن أن نسميه فن التفاهة؛ تصاغ به الأشعار وعليه كلمات سخيفة جداً جداً جداً، لكن يترنم بها ملايين المسلمين، وتنتشر أسطواناتها بالملايين. أما ذلك الشعر الرائع الفخم الجزيل، الموزون على قوافي أشعار العرب، المحكم في نظمه وبيانه، وجميل ترتيبه وجمال كلماته، المشتمل على المعاني العظيمة: السحْ ادَّحْ امبوا.. إلى آخره، هذا هو الكلام العظيم المشتمل على المعاني الرائعة التي يتغنى به الملايين! وأغاني عدوية التي تسمى بالأغاني الشعبية قد انتشرت بالملايين، يلهجون بها بدلاً من أن يقول الواحد: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله (من قال: لا إله إلا الله غرست له شجرة في الجنة).. (غراس الجنة: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله) لكنهم يقولون هذا الكلام، ويلهجون به.
أقسام كلمات الأغاني
أيها الأخ المسلم! لو قسمنا كلمات الأغاني لوجدناها ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما هو منافٍ للدين والعقيدة والردة عن الدين وهو كفر بالله تعالى. وقد غنت أم كلثوم قصائد في الشعر الإلهي: القلب يعشق كل جميل. وهذا اسمه عند الصوفية المنحرفين (العشق الإلهي) فتجد في القصيدة بعض الإشارات إلى قضية العشق الإلهي عند هؤلاء الصوفية المنحرفين، وتجد الردة.. الكفر والشرك الأكبر والشرك الأصغر، وتجد جميع الألفاظ الإسلامية، والمعاني الجليلة في الدين، وإدخالها في الأغاني والحب والغرام. القسم الثاني: قسم الانحلال: وهي الأغاني التي فيها وصف الحبيب والمحبوبة، انحلال. وهذا شيء لا يمكن أن نأتي بأمثلته في خطبة الجمعة، لكن هذا هو أكثر ما يعرف في الأغاني.. هو أغاني الانحلال والفسق والفجور، والدعوة إلى الفاحشة، والدعوة إلى الموعد والابتسامة واللقاء والحب والغرام، والدعوة إلى الفجور والمعصية؛ هذا هو أكثر ما هو موجود في الأغاني مرافقاً للفيديو (كليب) الذي ذبح به بعض الشباب ذبحاً من الوريد إلى الوريد، لكن ما ذبحوه ذبحاً تسيل به الدماء؛ وإنما ذبحوه ذبحاً تسيل به الفضيلة والدين من النفوس، وتخرج وتزهق أرواحهم بما يعرض في تلك الأغاني. القسم الثالث من الأغاني: أغاني التفاهة. ثم يوجد أغاني دينية وموشحات أندلسية بعضها فيه الشرك، كما يوجد في بعض المناسبات الدينية؛ كالموالد والرجبية.. وغيرها. وبعضه لا يوجد فيه شيء من هذا، بل قد يكون الشعر الأصلي جميل المعنى، جليل المحتوى، لكن ما حكم تلحين لفظ الجلالة وتغنى على الموسيقى؟
الغناء وتلحين لفظ الجلالة
وكثير من الأغاني ممتلئة بألفاظ الجلالة الملحنة التي تؤدى من امرأة أو رجل فاجر على أنغام الموسيقى. ماذا يسمى هذا أيها الإخوة؟ حتى لو كانت المعاني جميلة وجليلة فقد استخدموها في الموسيقى من غناء امرأة أو رجل فاجر! إذاً يتبين بالجملة أن قضية الغناء هذه دخل بها إبليس عن طريق أبالسة الإنس وشياطينهم: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:112]. يلحنون بها لأجيال المسلمين ليشتغلوا به عن ذكر الله وتعمر به المجالس، وتلهج به ألسن أولادكم وبناتكم ذكراناً وإناثاً في بيوتكم والسيارات والأشرطة في كل مكان: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ [الصافات:106]. فماذا نقول بعد هذا؟ هل من توبة؟ هل من أوبة؟ هل من ورجعة؟ هل من تركٍ لهذه المحرمات؟ اعتدوا على أعز شيء عندك، اعتدوا على الله تعالى ورسله.. اعتدوا على اللوح المحفوظ.. اعتدوا على قضائه وقدره.. شتموا الدين والرب، ما أبقوا عزيزاً في الدين ولا غالٍ إلا أوسخوه ووسخوه بهذه الكلمات، ولطخوه لكي يحولوا بين الناس وبين دين رب العالمين. فأين المنتبهون؟!! وأين الواعون لهذه الأخطار؟!! المسألة جد خطيرة يا عباد الله! نسأل الله تعالى السلامة والعافية.