وينبغي
أن يكون في محافظته على تلك الفرائض في رمضان، أشد حرصا من محافظته عليها
في غير رمضان، لأن أجره مضاعف على عبادته في هذا الشهر الكريم، وأداء
الفرائض أحب إلى الله من أداء غيرها، وإن كان كلاهما محبوبا له تعالى.
كما ورد في حديث
أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (......
وما
تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي
بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به
ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني
لأعيذنه .........) البخاري (5/2384)
فلا يجوز للصائم
التساهل في أداء الصلوات المفروضة في أوقاتها، بالنوم عنها حتى يخرج
وقتها، متذرعا بما يقوم به من نوافل الطاعات، كصلاة التراويح.

بل لو فرض أن
صلاة التراويحوهي نافلة، كانت سببا في نومه عن صلاة الفجر حتى يخرج وقتها، وجب عليه
التخفيف من صلاة التراويح بالقدر الذي يتمكن معه، من أداء صلاة الفجر في
وقتها،،،،،،
والمحافظة على الصلاة المفروضة في الجماعة في المساجد،
أولى من المحافظة على التراويح في ذلك، إذا فرض أن المسلم لا يستطيع الجمع
بينهما,,,,
مع العلم أنه – في الغالب – يستطيع الجمع بين الأمرين، وهذا
هو الذي ينبغي أن يجتهد في فعله في حدود طاقته، ليجمع بين الفضيلتين في
شهر الفضائل.

أما
الذي يقصر في الأمرين أو في أحدهما، مشتغلا بتوافه الأمور عنهما، فهذا شخص
مُفَرِّط محروم، جدير أن يعود على نفسه بالندم واللوم، لأنه تعمد أن يخسر
في موسم الغنائم والأرباح، فاستبدل الخيبة والأحزان، بالمراحم والأفراح.
ولنعد إلى الكلام عن قيام الليل، فهو مشروع في كل ليلة من ليالي عمر المسلم، وقد كان في أول الأمر مفروضا، على النبي
صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لأن فيه تسلية لهم عما كان يصيبهم من الفتنة والأذى، عند مبعث رسول الله
صلى الله عليه وسلم،وقد تولت السيرة النبوية تفاصيل تلك الفتنة وذلك الأذى، فكان في كثرة
لجوئهم إلى الله ومناجاته وقوة الصلة به، ما يفرغ على قلوبه الصبر، وعلى
نفوسهم الطمأنينة والثقة بالعزة والنصر.
قال تعالى: ((
ياأيها
المزمل(1)قم الليل إلا قليلا(2)نصفه أو انقص منه قليلا(3)أو زد عليه ورتل
القرآن ترتيلا(4)إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا(5)إن ناشئة الليل هي أشد وطئا
وأقوم قيلا(6)إن لك في النهار سبحا طويلا(7)واذكر اسم ربك وتبتل إليه
تبتيلا(
رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا)) (9) [المزمل]

قال سيد قطب رحمه الله ـ عند قوله تعالى: ((
إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً))
[المزمل: 5]: "وإن قيام الليل والناس نيام والانقطاع عن غبش الحياة
اليومية وسفاسفها، والاتصال بالله، وتلقي فيضه ونوره والأنس بالوحدة معه
والخلوة إليه، وترتيل القرآن والكون ساكن، وكأنما هو يتنزل من الملأ
الأعلى، وتتجاوب به أرجاء الوجود في لحظة الترتيل، بلا لفظ بشري ولا
عبارة، واستقبال إيحاءاته وإيقاعاته في الليل الساجي.
إن هذا كله، هو
الزاد لاحتمال القول الثقيل، والعبء الباهظ والجهد المرير، الذي ينتظر
الرسول، وينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل، وينير القلب في الطريق
الشاق الطويل، ويعصمه من وسوسة الشيطان، ومن التيه في الظلمات الحافة بهذا
الطريق المنير). [في ظلال القرآن (29/3745)].

قال
ابن جرير : "عن ابن عباس في قوله: ((
قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا)): فأمر الله نبيه والمؤمنين بقيام الليل، إلا قليلا فشق ذلك على المؤمنين، ثم خفف عنهم، فرحمهم وأنزل الله بعد هذا: ((
علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض)) إلى قوله: ((
فاقرءوا ما تيسر منه)) فوسع الله وله الحمد، ولم يضيق" [تفسير الطبري (29/125) ويراجع تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: (4/436)]

وقد كان الرسول
صلى الله عليه وسلم،شديد الحرص على قيام الليل، شديد الاجتهاد في ذلك، فكان يقوم حتى تتورم
قدماه، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر طمعا في أن يكون كثير
الشكر لربه.
كما روى
المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: "أن النبي
صلى الله عليه وسلم، صلى حتى انتفخت قدماه، فقيل له: أتَكَلَّفُ هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال (
أفلا أكون عبدا شكورا)؟ [البخاري (1/380) ومسلم(4/2171)]